ملامح صبح

الشعر وموضة التجديد (1)

رؤية : العربي نيتشه

خلال عقدين او ثلاثة مضت ، كان لا يصول ولا يجول بأذهان أغلب الشعراء سوى هاجس التجديد ، والتجديد فقط ، لم يكن يدفعهم للنشر سوى هذا العامل ، كان في الكويت مجموعة من الشعراء الجميلين ، بعضهم حفر اسمه في الصخر ؛ كمسفر الدوسري ، وبعضهم كان للصوت الجمعي في داخله أكبر الأثر ؛ مثل فهد دوحان وعافت وبدر الحمد وآخرون ، وكان في السعودية مجموعة أخرى ، بدأت ب سعد الجحدلي كصوت متفرد يشبه في حضوره حضور مسفر الدوسري ، مع الفارق في التجربة ، وصوت جمعي ، مثل عواض شاهر ومحمد النفيعي ومحمد الزهراني والحميدي الثقفي ونايف الجهني ومشرف الشهري وآخرون ، هذا بالإضافة إلى تلك الأصوات التي تكتلت بشكل تدرجي ،

وكانت المختلف هي السبب الأبرز في تكتلتها ، هذه الأصوات كان يقف على رأسها مساعد الرشيدي وسليمان المانع ونايف صقر ، كل هؤلاء كانوا يتبادرون لكتابة مايصيب البدن بقشعريرة الزهو حين القراءة ، ويتفانون في رسم الشكل الزاهي لنص طالما انتظره قراء الصفحات الاسبوعية او الشهرية ، حتى ان احدهم ربما غامر في الزج بمفردات غير مألوفة اجتماعيا ، كالتنين مثلا ،

ولو كان الجمهور واعيا اذ ذلك للفظ مثل هذا التجديد ، كونه نشازا على المجتمع وثقافته ، لكن المجتمع حينها كان يبهره الشكل على حساب المضمون ، وهذا ديدن العرب ، ليس في الأدب فحسب ، بل في مجالات الحياة كلها ، فالعربي يقع دوما أسير النظرة الاولى لكل شيء ، حتى اذا ما افاق من سباته قرر أن الشمس مستديرة ، وان القمر ابيض ..!!! اقول: ولما حصلت هذه الإفاقة لجمهور الشعر ، لم يكن الشعراء قد سبقوه إليها ، فأنا ازعم ان الشعراء انفسهم كانوا في سبات عميق ايضا ، بل ربما ظنوا ان مايمارسونه من عجن لمعنى توظيف الاسطورة في النص العامي ، إنما هو ضرب من التحديث اللامسبوق ؛ ولذا كانت إفاقتهم – حتى هم – متأخرة بعض الشيء.حينها ، وحينها فقط ، كان بدر بن عبد المحسن يرقب المشهد عن كثب ، وكان يحذر من إملاءات كهذه ، مع العلم انه قد وقع في بعضها ، ولكن المثل العامي ( الجمل مايشوف عوج رقبته ) لم يأت من فراغ ،

فقد تنكب البدر نفسه هذا الخطأ ، وكتب عن التنين …!!!ترى مالذي حدا بالشعراء لارتكاب مثل هذه القطيعة مع التراث ؟ والتي كانوا يظنون أنها من البر به !!!أقول : القطيعة . لأن القطيعة ليست أن لا تصل الشيء ، ولا تتعاهده ، بل القطيعة الأعظم أن تظن أنك تصله ، في حين أنك تقطعه ..!!!ومضت الشهور ، بل والسنون ،

وكان أحدهم يكتب عن البيدر ، في حين أنه يمكن أن يسميه باسمه ( الجرين مثلا ) وليست المشكلة في التسمية هنا ، بل في كون الشاعر نفسه ابن المدينة ، ولم يكن ليعرف عن الجرين أو مكان الحصاد أي شيء ، إلا مايمكن سماعه من الناس ، هذا الاستحلاب للموروث على حساب الجهل به يجعل المتلقي في حيرة من أمره ، هل ما يقوله هذا الشاعر أو ذاك عن البدر أو الجرين صحيح ؟ أم هو تقليد لنص عامي لبناني مثلا ؟

وعندما ينخفض مستوى الثقة عند المتلقي في الشاعر أو الأديب بصفة عامة ، لا يمكنه إلا أن يقابل نتاجه بشيء من النكران.( السنابل) والشيء بالشيء يذكر،كانت من المرادفات ل (البيدر) وكأني بشعراء أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات حريصون كل الحرص على استنساخ التجربة اللبنانية ، كما هو الحال لدى بدر بن عبد المحسن مع الأسف ، لكن بدرا كان من الذكاء بحيث تجاوز معضلة التشابه هذه إلى مايمكن وصفه بالتجربة البدوية دون أن يترك بصمات واضحة.

المحرر:
شكرا للزميل العربي نيتشه على اثارة هذا الموضوع من خلال وجهة نظره الشخصية ومن منطلق الحرص ان يكون الطرح عن تجربة التجديد منصفا ومستوفيا لكافة جوانبه, طرحنا على الناقد سليمان الفايز تسأولا عنها وعن روادها فتواصل معنا مشكورا بموضوع عن (التجديد والمجددون فى النص الشعبي) وسنحتفي به الأحد المقبل ومن ثم سيستكمل الزميل العربي طرح مايختزله عن التجربة في حال وجود ما يجدر اضافته ولرواد التجربة من الاحياء كذلك حق التداخل معهما فيما بعد مع تقديرنا للجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء ادخال الاجابة الصحيحة *