جدة

صنع في مخي

نشأت طفلاً خيالياً وكنت أعاني كثيراً من أحلام اليقظة وكثيراً ما كان يوقظني صوت فرامل أو منبه سيارة وسائقون يشتمون. كنت أجد متعتي في الخيال وأحقق فيه الممكن والمستحيل. فكنت أركب بساط الريح وأضرب الأرض بعصا فتخرج لي كنوزها المدفونة.
مضى عمري ولا زالت هذه العادة تلازمني ولكن أحلامي تغيرت. وكثيراً ما أهرب بأحلامي عندما أشعر بالاكتئاب. فأجد نفسي أضرب رئيسي المتخلف أو أحصل على ترقية وزيادة في الراتب لا تقل عن سبعمية في المية أو أمتلك ناطحة سحاب وهكذا دواليك.
منذ فترة وصلتني بعض التسجيلات على الواتس فسببت لي إكتئاباً شديداً. ملخص هذه التسجيلات هو مقابلات مع شباب في المرحلة الثانوية والجامعية والمذيع يسألهم عن رأيهم في تحويل الحج من مكة إلى المدينة وكانوا يوافقون بحجة تخفيف الزحام وآخرون لا يعرفون أركان الإسلام. فقمت برحلة ممتعة في خيالي وعلى متن إحدى طائراتي الخاصة.
أول محطات رحلتي كانت مدينة الفكر والأدب، فوجدتها مدينة عصرية تعج بآلاف الزوار من كل الأعمار الذين أتوا خصيصاً للقراءة والتعلم.
بعدها هبطت بطائرتي في مدينة التربية والتعليم فوجدت مناهج تخدم الواقع وترتبط بالدراسة الجامعية ومدارس مبانيها في منتهى التنظيم والنظافة ووجدت انضباطاً شديداً ووجدت تعليم بأحدث الوسائل التقنية والطالب ليس مضطراً لحمل حقيبة تعادل نصف وزنه والمدرسين على مستوى عالي من العلم والثقافة والحزم والجدية.
اتجهت بعدها إلى مدينة الفن فوجدت أفلاماً هادفة ليس فيها ما يتنافى مع أخلاقنا ومبادئنا. ثم وصلت إلى مدينة الصحافة فوجدتهم ينفذون حكماً بجلد أحد الصحفيين لثبوت كذبه وتزييفه للحقيقة. وكانت محطتي الأخيرة مدينة الشباب، وجدت شباباً مثقفاً ملتزماً بعاداته وتقاليده فلم أجد شاباً بملابس قصيرة أو شعر طويل وحين تحدثت إليهم وجدت أدباً وعلماً وتهذيباً في كلامهم. بعد هذه الجولة الممتعة
وأنا في طريق عودتي إلى ربوع واقعي استمعت إلى الأخبار وكان خبر فوز إحدى الدول العربية بكأس العالم يتصدر الأخبار.
وفجأة إنتبهت من حلمي على صوت السيدة أم كلثوم وهي تقول:
وانتبهنا بعدما زال الرحيق
وأفقنا ليت أنا لا نفيق
يقظة طاحت بأحلام الكرى
وتولى الليل والليل صديق

اضف تعليق