ملامح صبح

مقارنة بين جيلين(2/2): الشعراء الرائجون (موديلات) زائفة لشاعر انتهى زمنه!

رؤية – عواض العصيمي

نجحت الورقة في حفظ النص ، نعم ، لكن الشاعر الأصلي انتهى وحل بدلاً منه أحفاده الراغب معظمهم في البروز أكثر من قول الحقيقة .

وفي الواقع، كان المفترض من الشاعر الذي تطورت في عهده تقنية توثيق النص من ورق ، ومن وسائط تكنولوجية حديثة، وتهيأت له وسائل البحث والاستكشاف في علوم عصره وثقافة زمنه، كان المفترض منه أن يصبح أكثر صدقاً وأقل ضجيجا. كان أولى به أن يكافئ التقنية الحديثة بأفكار أكثر تمثيلاً لزمنه ومحيطه، وبشعرية أقرب إلى حقيقة العصر، لا تخون ضمير الرأي في النقد، والمكاشفة، وتعرية الواقع بلا انحياز إلى آيديولوجيا أو شلة أو جماعة معينة… لم يعد ممكناً العودة إلى الصحراء من خلال شاعرها القديم، وأكثر الذي نقرؤه اليوم لا يمت إلى الصحراء بصلة بل هو مزور ومقول على الصحراء ظلما وعدوانا …

إن معظم الشعراء الرائجين اليوم ليسوا غير (موديلات)زائفة لحقيقة شاعر قديم انتهى زمنه ، وفي الواقع حتى هذه (الموديلات) صارت فجة وغير مقبولة لسبب واحد هو أنها انفصلت ثقافياً ووجدانياً وحتى انتماءً عن معنى الكينونة الأولى التي فطر عليها الشاعر الجذر، وهو معنى أن يحيا ويعيش كما تعيش من حوله الأشياء ولا يكون غريباً عنها بقوله الحقيقة وتأكيده العيش ببساطة ومن أجل الآخر .

ولو سار على فلسفته شاعر اليوم، أي يكون ابن زمنه، وبيئته، وثقافته، لو فكر شاعر اليوم في ذاته كذات واعية ترى، وتحلل، وتقرأ، وترصد، وتنتقد، وتحدد موقفها مما يدور حولها، لأضاف الكثير على المستويين النوعي والكمي، لكنه في معظمه انمسخ في شكل مشوه وغريب، فلا هو حي بالمعنيين الفكري والإبداعي المعاصرين، ولا هو أحفورة تراثية تنتمي إلى زمن ماض.

بينما هو على هذا الانمساخ، فوجئ شاعر اليوم بعصر تقني مذهل، عصر شديد الاحتفاء باتساعه غير المألوف، وبإمكاناته الكبيرة. وبقدر ما هو شاسع ورحب للغاية، لديه قابلية استيعاب هائلة لكل الآراء والأفكار، التسامح والتطرف، المعاصرة والعتاقة، الإبداع ونقيضه، وهو ما لم يتحقق على أرض الواقع. ما كاد يصحو الشاعر الشعبي من المفاجأة حتى انطلق في فيافي هذا العالم وقفاره مشكلاً ترحالاً جديداً في(لالٍ)افتراضي أين منه الآخر الواقعي. لقد أوتي عدة السفر والبحث والاستكشاف بأقل جهد، وأسهل طريقة، وبمقدوره أن يكتب قصيدته بالحرية نفسها التي تمتع بها الشاعر القديم،

مضافاً إليها ما يحفل به عصره من معطيات حضارية وثقافية مختلفة، بمقدوره أن ينشئ مكتبة متنوعة الموضوعات بضغطة زر بحثي في محرك عالمي، بإمكانه العودة إلى الماضي والاطلاع على تراثه المحفوظ في مواقعه بالانترنت، باستطاعته مد شبكة من العلاقات البناءة من خلال الاتصال بأبناء ثقافته وأبناء الثقافات الأخرى في شبكة المعلومات العالمية وتكوين علاقة ثقافية إنسانية جديدة برؤية معاصرة.

عندما تم تكريم مخترع الإنترنت البريطاني (تيم بيرنرز لي) عام ( 2002) في هلسنكي جاء في حيثيات خطاب التكريم أنه (باختراعه ساهم في ربط البشر عبر أجهزة الكمبيوتر ليصبح العالم قرية صغيرة تتناقل فيها المعلومات بحرية وسرعة وهو ما أسهم في تحسين حياة البشر في شكل مباشر) غير أن نظرة متفحصة لمواقع الشعر العامي ولأحوال شعرائه وكتابه في الانترنت، تفصل لنا مدى العزلة الثقافية، وسوء فهم هذا الفتح الحضاري الكبير من عدة وجوه.

أحدها وأهمها، هو أن استخدام شبكة المعلومات العالمية لم يتم بالصفة المعرفية والمعنى الثقافي اللذين بواسطتهما، وعلى ضوئهما، تكون علاقة الفرد بالآخر علاقة كونية تعنى بتبادل الأفكار والخبرات. الذي حدث هو أن استدعاء التاريخ عبر القصيدة العامية، والتكتل المتعدد حول مستوى معين من الشعر العامي، الشعر التقليدي المباشر، والتمحور لصالح مجموعة من المفاهيم في تفسير أشياء مثل الهوية، والخصوصية الثقافية، وحفظ الموروث، هذه الأشياء وغيرها عزلت الشاعر الشعبي عن العالم، بل إنه من خلالها، بسط حوله صحراء من النوستالجيا والوهم.

يمكن القول أن شاعر اليوم في فضاء الانترنت يعود إلى الصحراء من جديد، حيث حرية الحركة تتيح له القول كما يريد، وحيث تكتب القصيدة كما لو أنها في بيت شعر مفتوح للرياح والضيوف، وحيث التفاعل معها يتم في الحال على شكل تعقيبات من الجمهور والقراء، لكنها عودة سياحية – إن جاز الوصف – لا تعرف من الصحراء إلا مظاهر البداوة المعلبة في برامج تتاجر بها الفضائيات على شاكلة (مزاين الإبل)، وكم كبير من العروض المبثوثة تحت عناوين دعائية كالمسابقات الشعرية والقلطة والعرضة والصيد وسواها.

أما الصحراء على هيئتها الأولى، الصحراء المحرضة على التأمل، والرؤية البعيدة، والرصد، والتعقب، وقراءة الشواهد والعلامات، فبقيت خارج حسابات معظم شعراء المواقع الإلكترونية، وخصوصاً الأجيال التي ولدت وتعلمت وتوظفت في المدن ولم تخرج يوماً إلى الصحراء إلا في نزهات وطلعات برية عابرة.

اضف تعليق