وجّهت وزارة المالية في تعميمها الصادر خلال الأسبوعين الماضيين للجامعات الحكومية، بضرورة إعادة النظر في توزيع الحصص والمقررات الدراسية على أعضاء هيئة التدريس، بما يضمن إيقاف الاستعانة بالمتعاونين، والحد من الساعات التدريسية الزائدة، وذلك في إطار حرصها على ترشيد الإنفاق؛ بوصفها الجهة المشرفة على كفاءة الإنفاق الحكومي، وقد ترتب على هذا التعميم إلزام رؤساء ومشرفات الأقسام العلمية بدمج الشعب الدراسية، ليصل عدد الطلاب في بعض الشعب إلى 100 طالب وطالبة، إضافة إلى تحويل الشعب التي يتجاوز عدد طلابها 80 طالبًا وطالبة إلى نمط التعليم عن بُعد، وأسفر ذلك عن آثار تنظيمية وأكاديمية متعددة، من بينها حرمان بعض أعضاء هيئة التدريس من بدل التعليم الجامعي لعدم اكتمال النصاب التدريسي، وبالنظر إلى أن جودة التعليم الجامعي تُعد أحد الركائز الأساسية للتنمية الشاملة، وبناء رأس المال البشري القادر على مواكبة متطلبات العصر، فإن تحقيق هذه الجودة لا يمكن أن يتم بمعزل عن الإدارة الرشيدة والمتوازنة للموارد الأكاديمية والمالية. فعندما يتجاوز عدد الطلاب 100 طالب وطالبة في الشعبة أو المقرر، ينعكس ذلك سلبًا على جودة العملية التعليمية في عدة جوانب جوهرية؛ إذ يؤدي ارتفاع أعداد الطلاب إلى ضعف التفاعل الأكاديمي داخل القاعة الدراسية، وتقل فرص النقاش وطرح الأسئلة، ويصعب إشراك جميع الطلاب في الأنشطة الصفية، ما يحول العملية التعليمية إلى أسلوب تلقيني بدلاً من التعليم التفاعلي. كما تتراجع المتابعة الفردية للطلاب، حيث يعجز عضو هيئة التدريس عن متابعة مستوياتهم الأكاديمية بدقة، ويصعب اكتشاف الفروق الفردية أو حالات التعثر الأكاديمي في مراحل مبكرة، إلى جانب انخفاض جودة الإرشاد الأكاديمي، كذلك تتأثر جودة التقويم والقياس، إذ يضطر عضو هيئة التدريس إلى الاعتماد على الاختبارات الموضوعية، مثل أسئلة الاختيار من متعدد، على حساب أدوات التقويم المتنوعة التي تقيس المهارات التحليلية والتطبيقية، فضلًا عن تأخر تصحيح الواجبات والاختبارات. كما أن زيادة العبء التدريسي وما يرافقه من ضغط في التحضير والتصحيح والمتابعة يؤدي إلى إرهاق أكاديمي قد ينعكس سلبًا على جودة الأداء، ونتيجة لذلك، تتأثر مخرجات التعلم، حيث يضعف اكتساب الطلاب للمهارات العملية والتطبيقية، وينخفض مستوى التحصيل العلمي، كما تتراجع مستويات رضا الطلاب والطالبات عن العملية التعليمية بشكل عام.
ونخلص مما سبق أن تحقيق كفاءة الإنفاق لا ينبغي أن يكون على حساب جودة التعليم الجامعي، بل يتطلب موازنة دقيقة بين ترشيد الموارد المالية والحفاظ على معايير الجودة الأكاديمية. فالتوسع غير المدروس في أعداد الطلاب داخل الشعب الدراسية قد يؤدي إلى إضعاف مخرجات التعليم، وهو ما يتعارض مع أهداف التنمية وبناء رأس المال البشري، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في آليات تطبيق التعميم بما يضمن تحقيق كفاءة الإنفاق دون الإخلال بجودة التعليم.
drsalem30267810@
