تُشِّكل الرغبة في إنهاء أكبر عدد من الكتب في فترة زمنية وجيزة واحدًا من عوائق استدامة القراءة؛ ذلك لأن هذه الرغبة وإن كانت إيجابية في ظاهرها، لكنها سرعان ما تنعكس سلبًا على مسيرة القراءة.
وتكمن مشكلة بعضهم في أنه- ومن خلال متابعتهم لبعض مواقع التواصل الاجتماعي أو موقع Goodreads وما يُكتب فيها عن تحدي القراءة، وما يكتبه بعضهم أنه يقرأ 50 أو 70 أو حتى أكثر من مائة كتاب في السنة- يتولَّد لديهم شعور عميق بالذنب من قلة ما يقرؤون مقابل هؤلاء، محاولين اللحاق بهم، وفي هذه الحالة؛ إما أنهم يقرؤون بسرعة دون استيعاب، أو أنهم يصابون بإحباط ما قد يؤدي إلى ترك القراءة، أو التوقف عنها لمدة نتيجة شعورهم بأن جهودهم ضئيلة مقابل الآخرين، فيفقدون حينها الحماسة، وتتحوَّل القراءة من متعة إلى ضغط اجتماعي؛ هدفها الظهور الاجتماعي على حساب الفائدة بعيدة المدى.
ومن حسن حظ مَن يكتب عن الأعداد الكبيرة للكتب التي يقرؤها، أنه لا يوجد مجال للتأكد مما يزعمون أو من مقدار استيعابهم لما يقرؤون؛ مكتفين بخلق حالة من التفاخر تنعكس سلبًا على الآخرين، وحتى لو تمكَّن هؤلاء من قراءة مائة كتاب في العام؛ أي: بمعدل كتابين كل أسبوع، فإن قدرات الناس في الاستيعاب تتفاوت كما هي في سائر الأمور، ولا ينبغي أن نقارن بين قدراتنا وقدرات الآخرين، بل نقارن بين أنفسنا اليوم وأمس؛ لأن القراءة رحلة شخصية متفرِّدة، أو أن نستفيد من مقارنة أنفسنا بالآخرين؛ من أجل الحصول على مزيد من الإلهام والحماسة للقراءة؛ فمقارنة كهذه هي كمن يقارن من يمشي مشيًا خفيفًا كل يوم بمن يشارك في ماراثون جماعي؛ حيث الفرق الكبير بين الأمرين.
وهنا يجدر بنا ألا نهمل الجانب الإيجابي لنشر أعداد الكتب المقروءة؛ إذ تُبَثّ الأخبار الإيجابية وتُؤصَّل القراءة بوصفها عادة اجتماعية، وذلك مقابل ما ينشر من تفاهات.
*الكتب ليست أكوامًا من الورق الميت؛ إنما عقول تعيش بيننا”طه حسين”.
yousefalhasan@
