تعد ليالي رمضان في مدينة جدة لوحة اجتماعية حية؛ تتجاوز كونها مجرد وقت للإفطار والسحور؛ بل هي تظاهرة ثقافية واقتصادية متجددة تملأ الشوارع بالحيوية والفرص. ومن قلب هذه الأجواء، تبرز “بسطات رمضان” كأحد أهم التقاليد التي تطورت من مجرد أكشاك بسيطة لبيع “الكبدة” والمقليات الشعبية؛ لتصبح منصات ابتكارية تعكس روح الجيل الجدي، وقدرته على إعادة تعريف المهن التقليدية بلمسة عصرية وتنافسية. المتأمل لمشهد الشارع الجداوي في السنوات الأخيرة يلحظ تحولاً نوعياً في بنية هذه الأنشطة؛ فالبسطة لم تعد مجرد صاج ونار؛ بل أصبحت مشروعاً متكاملاً يعتمد على الهوية البصرية والتسويق الرقمي والجودة الفائقة. وقد كان لافتاً- وبقوة- دخول الفتيات السعوديات هذا الميدان بكل ثقة وإبداع؛ حيث قدمن أفكاراً غير تقليدية في إعداد الوجبات الخفيفة والحلويات المبتكرة، مع الالتزام التام بمعايير الصحة والسلامة والأنظمة البلدية، التي وفرت لهن بيئة تنظيمية آمنة، تضمن انسيابية الحركة المرورية، وتحمي حقوق الجميع، ورغم بعض الأصوات المنتقدة لهذا الحضور النسائي إلا أن الواقع أثبت أن هؤلاء المبدعات أضفن صبغة حضارية وجمالية على هذه المواسم، وحولنها إلى وجهات سياحية تجذب الزوار من مختلف الأعمار. إن هذا الحراك يمثل مدرسة واقعية لتعليم فنون الإدارة والمحاسبة والتعامل مع الجمهور، وهي قيم لا تُلقن في القاعات الدراسية بقدر ما تُكتسب في الميدان. وبالنظر إلى تاريخ التجارة العالمي، نجد أن كبرى العلامات مثل “ماكدونالدز” و”كنتاكي” بدأت من عربات أو أكشاك صغيرة على قارعة الطريق، قبل أن تتحول إلى إمبراطوريات عابرة للقارات. وفي جدة اليوم، هناك نماذج ملهمة لشباب بدأوا ببسطة خشبية متواضعة أو محلات صغيرة. وبفضل الإصرار والابتكار يمتلكون الآن سلاسل مطاعم شهيرة؛ ما يؤكد أن هذه الأنشطة هي “حاضنات أعمال” طبيعية، تدفع بالشباب نحو عالم الاحتراف. ولضمان استدامة هذا الإرث، تبرز الحاجة إلى رؤية مستقبلية تعزز من تنظيم هذه الفعاليات لتشمل الأعياد والمواسم السياحية بل وعطلات نهاية الاسبوع طوال العام، مستلهمين في ذلك تجارب المدن العالمية الكبرى، التي حولت “طعام الشارع” إلى صناعة سياحية منظمة، بل وأوصلته إلى القصور. إن الاستثمار في هذه المواهب الشابة، وتوفير الدعم اللوجستي والفني لها، هو استثمار في مستقبل الاقتصاد الوطني القائم على التنوع والمبادرة. إن ليالي جدة الرمضانية هي قصة نجاح سعودية بامتياز؛ إذ تدمج بين عبق الماضي وطموح الرؤية، وتثبت أن العمل الشريف هو أرقى أشكال التعبير عن الذات والمساهمة في بناء الوطن بعيداً عن الصور النمطية، أو الأحكام المسبقة التي لم تعد تجد لها مكاناً في واقعنا الطموح.
كبدة.. بليلة.. وبتاتس؟!
